المقريزي
71
المقفى الكبير
وإتقانا وحفظا وضبطا للحديث وتفهّما في علله وأسانيده ، عالما بصحيحه وسقيمه ، مستحضرا للسيرة ، له حظّ من العربيّة وله الشعر الرائق والنثر الفائق . قال القطب عبد الكريم الحلبيّ في حقّه : إمام محدّث حافظ أديب شاعر بارع ، وجمع وألّف وخرّج وانتقى ، وبقي له يد طولى في الحديث والأدب وصنعة الشعر ، متقنا في علم الحديث ، حافظا ، حجّة ، ثبتا « 1 » فيما ينقل ويضبط ، من أحسن الناس محاضرة . وقال الشهاب أحمد بن يحيى بن فضل اللّه : أحد أعلام الحفّاظ ، وإمام أهل الحديث الواقفين بعكاظ ، البحر المكثار ، والحبر في نقله الآثار . وله أدب أسلس قيادا من الغمام بأيدي الر [ ي ] اح ، وأسلم مرادا من الشمس في ضمير الصباح . وكان من بيت علم ورئاسة . ولجدّه مصنّف في منع بيع أمّهات الأولاد في مجلّد ضخم يدلّ على علم جمّ . [ 67 ب ] وقال الصلاح الصفديّ : كان حافظا بارعا أديبا متفنّنا بليغا ناظما ناثرا كاتبا مترسّلا ، حسن المحاورة ، لطيف العبارة ، فصيح الألفاظ ، كامل الأدوات ، جيّد الفكرة ، صحيح الذهن ، جميل المعاشرة ، لا تملّ محاضرته ، أدبه غضّ ، والإمتاع بأنسه بضّ ، كريم الأخلاق ، كثير الحياء ، زائد الاحتمال ، حسن الشكل والعمّة ، قلّ أن ترى العيون مثله . وهو من بيت رئاسة وعلم ، عنده كتب كثيرة وأصول جيّدة . سمع وقرأ وارتحل وكتب وصنّف وحدّث وأجاز وتفرّد بالحديث في وقته . ولعلّ مشيخته تقارب ألف شيخ . ونسخ بخطّه واختار وانتقى شيئا كثيرا ، ولازم الشهادة مدّة . وكان طيّب الأخلاق بسّاما صاحب دعابة ولعب . وكان صدوقا في الحديث حجّة فيما ينقله ، له بصر نافذ وخبرة تامّة بالرّجال وطبقاتهم ومعرفة بالاختلاف ، ويد طولى في علم اللسان . ومحاسنه جمّة . وكان يكرّر الصلوات كلّ صلاة مرّات كثيرة ، وكان صحيح القراءة سريعها ، كأنّها السيل إذا تحدّر ، سريع الكتابة : كتب ختمة قرآن في جمعة ، وكتب السيرة النبوية من تصنيفه في عشرين يوما وهي في مجلّدين كبيرين . وكان صحيح العقيدة ، جيّد الذهن ، يفهم النكت العربيّة ويسارع إليها ، لكنّه جمّد ذهنه لاقتصاره على النقل . وكان الشيخ تقيّ الدين محمد ابن دقيق العيد يحبّه ويؤثره ويركن إليه وإلى نقله . وإذا حضر درسه وجاء ذكر أحد من الصحابة أو من رجال الحديث ، سأله عنه فيأخذ في الكلام ويسرد ، وابن دقيق العيد مصغ إلى ما يقوله . ولو كان له اشتغال بقدر ذهنه [ ل ] كان قد بلغ الغاية القصوى ، لكنّه كان فيه لعب . على أنّه ما خلّف بعده مثله لأنّه كان متناسب الفضائل ، وكان محظوظا ما رآه أحد إلّا أحبّه « 2 » . واختصّ بالأمير علم الدين سنجر الدواداري فوصله بالسلطان الملك المنصور لاجين فقرّره في جملة الموقّعين بديوان الإنشاء وباشر ذلك ثم استعفى من التوقيع فأعفي وعمل المعلوم له مرتّبا ، واستمرّ يتناوله . واختصّ بكريم الدين الكبير ناظر الخاصّ وغيره من الأمراء ، وولي عدّة تداريس . وكتب كتبا كثيرة وأمّهات جيّدة وأصول [ ا ] عديدة ،
--> ( 1 ) جاءت هذه النعوت منصوبة بدون وجه . ( 2 ) انتهى هنا النقل عن الوافي 1 / 291 .